التلقائية والفن 2
كتبها الربيعي ، في 29 تموز 2008 الساعة: 10:06 ص
ان العالم ليس كيانا جامدا ا موجودات ساكنه، بل في حالة تحول وصيرورة .تحول في التقنيات ، تحول في حياة الناس ، في الفن في الثقافة تحول في المضامين لحد الغرابة .جنون في الأخبار..خروج عن المألوف انقلاب بالمفاهيم ..إعلام وتكنلوجيا ألغت الحدود وقصرت المسافات بحيث أصبح العالم قرية صغيرة ..
تنوعت وسائل التعبير انطلاقا من معطيات عصر التكنلوجيا ففي مجال الفن التشكيلي أصبحت التجريدية واتجاهاتها اللاشكلية تمر بطريق مسدود ولم تعد قادرة على التعبير عن روح العصر الذي هيمنت عليه وسائل التقنية والعلم ..
لذلك باتت الحاجة للبحث والاكتشاف لإيجاد فن يمثل روحية العصر الذي يخترق حاجز عالم المظاهر ويقف على عتبة عالم جديد غريب لم يعرف عنه إنسان الماضي شيئا ..
من هنا بدا استلهام العلم والبحث والاكتشاف ..بعد إن وصلت فكرة استله
لقد تراجع الاهتمام بالطريقة المألوفة بالفن التشكيلي والرسم على قماش اللوحة ومستلزماتها وتعليق اللوحات في المعارض.. ليحل محلها ومعها استخدام رائع للاجهز الالكترونية الحديثة ، مثل الفديو والكومبيوتر وكاميرات الدجتيل وغيرها من وسائل تكنلوجيا العصر واعتمدت من قبل الفنان المعاصر كوسائل جديدة للتعبير..
إن الفن نسق على غرار الطبيعة.. لكن الفنان يترجم معرفته للطبيعة إلى نموذج بلاستيكي تشكيلي .أي انه يصنع بأسلوبه طبيعة خاصة به.. (الفنان الفرنسي سيزان)
منذ القدم كانت الطبيعة مصدر الهام الشعراء والفنانين والمخترعين..حيث اهتدى الإنسان العراقي السومري إلى العديد من الاختراعات استوحاها من الطبيعة ومنها اكتشاف الرموز الأولى للحرف والتي قادته لاختراع الكتابة ..
كما كانت نقطة تحول في مراحل تطورالتاريخي لحياة الإنسان .. يمكن أن نمر بها سريعا ..
*عصر الصيد سيطر عليه عالم السحر ..وظهرت الرسوم والنقوش الأولية البسيطة للحيوانات المفترسة على جدران الكهوف اتقاء لشرها ..كما استوحى من الطبيعة بعض أدواته كالمنجل محاكاة منه لفك الحيوان وغيره من الادواة ..
*عصر الزراعة ..ظهرت فيه توجهات نحو الدين.. والبحث عن الرب وتعدد الأرباب.. اسس القرى وسكن في البيوت، وهنا اخذ الإنسان يفتش عن اله وبدا الفكر الديني الأول البسيط ..
حيث جعل لشمس اله وللقمر اله وللمطر والنار وغيرها الكثير حتى ظهر في العراق أبو الأنبياء النبي إبراهيم (ع) حيث قاده بحثه عن اله إلى الاهتداء لمعرفة الله سبحانه وتعالى.. وهنا بدا عصر الدين ..وفي مجال الفن في هذا العصر بدأ من الرمز الهندسي الزخرفي البسيط تطور عبر الحضارات القديمة في وادي الرافدين (العراق) و وادي النيل (مصر) وفي هذه المرحلة صنع الدولاب والعربة واستمد رموز الحروف من الطبيعة وكان يحاكي الطبيعة بكل صورها..
·
· وبما إنني فنان تشكيلي انتمي لهذا العصر أكثر مما سبقه من عصور ..اجد ان هناك حاجة للبحث والتقصي والاكتشاف وسبر اغوار هذه الطبيعة الزاخرة بالعطاء لايجاد أسلوب جديد ..خرجت للطبيعة لا كما فعل سيزان ومونيه وغيرهم من الانطباعيين الذي اعتمدوا مظهر الاشياء.. وإنما ذهبت ابحث عن الجوهر حيث اعتقد ان (الفنان لا يرى الأشياء بالبصرفقط وإنما بالبصر والبصيرة) ..
· عشت طفولتي في( قرية جسر ديالى) * قرية تقع على ضفتي نهر ديالى ذات طبيعة خلابة حيث تحتضن ضفتي النهر أشجار النخيل والبرتقال .. وقد اكتشفت العديد من التكوينات والرموز والرسوم التي صنعتها الطبيعه واخرى تكونت من تلقاء نفسها .. يمر بها الإنسان العادي يوميا دون أن يأبه بها ..
· اكتشفت تلك الظواهر مبكرا ولكني لم أجد الأسلوب والوسيلة لتسجيلها على قماش اللوحة (ليس المهم أن نكتشف بل , أن نجد الأسلوب)..لكني اختزنت ذلك في ذاكرتي..سنين.. 
· الآن أحاول استدعائها. .و رغم كل ما تمر بنا من ظروف قاسية وتهميش للمثقفين ..كما اصبحت الثقافة تهمة في زمن ألامية الديمقراطية.. حاولت الاعتكاف او بالاحرى الهجرة داخل وطن مباح للمحتل.. يعين ويقتل ويذبح ويقصف ويغتصب ويصحي.. ومع ذلك يعتذر تصوروا!!! مع كل هذا بدأت البحث والتقصي والاكتشاف من جديد..لاننا شعب اخترع الكتابة والدولاب والعجلة.. وقدمها لهذا العالم .. تصور عالم بلا كتابة .. ليس غريبا علينا نحن العراقيون ان نكتشف ونساهم في اغناء الفكر الانساني ورفده بكل جديد ..
· بدأت استعيد الشيء الكثير من تلك الآثار و الرموزو التكوينات.. بحيث أصبحت أراها في بلاطات الشارع..في ضفاف النهر عندما ينحسر ماؤه ويتشقق الغرين على ضفافه.. أراها في جلود الحيوانات في جذوع الأشجار وحتى في الغيوم.. على جدران المنازل القديمة. في.بقايا البوسترات (الملصقات)* قسم منها من صنع الطبيعة وأخرى تكونت من تلقاء نفسها .. هنا بدأت اكتشف الأسلوب متسلحا بوسائل التقنية الحديثة..محاولا تطويها للعمل متجاوزا الوسائل التقليدية بالتعبير دون المساس بروحية التكوينات التلقائية او بالاحرى معتمدا الرسم بالكاميرة.( ربما نختصر الدراسة في المعاهد والأكاديميات الى اشهر بدلا من سنوات ربما !!) استخدمت الكاميرا لا كما يفعل المصور التشخيصى وانما اكون من خلالها تكوين اللوحة كما احول اللحظة الزمانية الى زمانكانية .. أي اجعل اللوحة تحتل مكانا و حيزا على قماش اللوحة لها أبعادها وحضورها ككائن يشغل حيزا على الجدار.. و يضفي عليه نوع من الجمال المكاني مستفزا المتلقى ..ربما يتفاعل مع العمل الفني او لايتفاعل حسب ثقافته الفنية وتراكم خبرته..
· حاولت الاستفادة من تراكم خبراتي في مجالات الفنية المتعددة باستثمار اللحظة ..
· وكانت البداية مع باب بستان قديم كانت الصدفة الأساس في.لفت نظري له.. باب غطاه الصدأ كما تشقق جزء منه..هناك شخبطة أطفال مع وجود آثار ألوان سكبت عليه بعشوائي.. مع ظلال لأغصان بعض الاشجار .
· بهرني المنظر وحاولت استثمار تلك اللحظة ..نتيجة البحث المتواصل تم هذا الاكتشاف.. يبقى هنا أن أجد الأسلوب لتنفيذ هذا الاكتشاف او بالا حرى حلت لحظة استثمار هذه اللحظة التلقائية ..
· حاولت استخدام وسائل تقنية حديثة لتسجيل تلك اللحظة .. ومن ثم تم نقلها على قماش اللوحة..وبالتالي جاء دور الرسم حيث أضفت بعض اللمسات على اللوحة لإتمام هذا التكوين هنا كانت البداية لأسلوب جديد أسميته (التلقائية) لقد وظفت كل خبراتي المتراكمه طيلة عمري الفني ..حيث وظفت الكاميرة (التصوير) بالاضافة للاخراج والتصميم والكومبيوتر وكذلك الرسم .. كلها مجتمعة لانجاز اللوحة ..
وقد انجزت بهذا الاسلوب اكثر من ثلاثين عملا فنيا بغية اقامة المعرض الأول (للتلقائية)
حاولت استخدام التلقائية كمصطلح مجازي لأعمالي الفنية القادمة ..كما وجدت ان التلقائية ممارسة اجتماعية موجودة في حياتنا اليومية.. نجدها عند عازف العود عندما يعزف تقاسيم بدون نوتة وكذلك الممثل الذي يرتجل على المسرح.. وربما لدى الشاعر الذي يرتجل قصيدته استجابة لموقف طاريء..كما نجدها فينا..فلا وجود سيطرة على بعض الظواهر الانسانية كالنعاس والجوع والحلم انها تلقائية ولايمكن التحكم بها..كما ان هناك تلقائية مكتسبة كركوب الدراجة الهوائية والتوازن عليها ووقوف الطفل وتعلمه التوازن والمشي كما يكتسبها الرياضيون كمهاراتو بالتمرين على كثير من الممارسات الرياضية ..حيث يمارسها اصحابها بتلقائية تامة ..اذا التلقائية موجودة في حياتنا وحتى في داخل اجسامنا ..
لم يعد العمل الفني يمثل منجزا بل اثر زاد عليه تنوع الاساليب التجريدية .. ..حتى وصلت تلك الاساليب الى طريق مسدود ولم تعد تلبي حاجات هذا العصر..اامل ان تكون التلقائية المدرسة الفنية الجديدة التي تعبر عن روحية انسان هذا العصر..
/*جسر ديالى .. قرية تقع على بعد عشر كيلومترا شرق بغداد تقع على نهر ديالى احد روافد دجلة
*بقايا الملصقات ..حدثني الفنان شاكر حسن قائلا ربما ياتي يوم يقوم احدهم بالاستفادة من تلك الملصقات..
* التلقائية ستجيب على تساؤل دام طويلا ..هل الفن للفن ام الفن للشعب؟..التلقائية هي فن الشعب..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























